هل تنجح الأمم المتحدة في محاكمة مجرمي الحرب بسوريا؟.. تجارب سابقة وخبراء يجيبون

آخر تحديث : الأحد 25 ديسمبر 2016 - 1:40 صباحًا
2016 12 25
2016 12 25
هل تنجح الأمم المتحدة في محاكمة مجرمي الحرب بسوريا؟.. تجارب سابقة وخبراء يجيبون

استقبل دبلوماسيون عرب، وخبراء قانون دولي، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بإنشاء “آلية دولية محايدة ومستقلة” للمساعدة في التحقيق ومقاضاة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة في سوريا، بتحفظ وعدم تفاؤل كبير، رغم أهمية القرار.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت الخميس 22 ديسمبر/كانون الأول 2016 قراراً بعنوان “آلية دولية محايدة ومستقلة للمساعدة في التحقيق ومقاضاة المسؤولين عن أكثر الجرائم خطورة وفق القانون الدولي، والمرتكبة في سوريا منذ مارس عام 2011”.

وبموجب القرار، يجري إنشاء “آلية” تحت إشراف الأمم المتحدة، للتعاون مع اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في الانتهاكات في سوريا، التي تشكَّلت منذ عام 2011، لجمع الأدلة والحفاظ عليها وتحليلها.

وتعمل هذه الآلية على “تحضير الملفات” لتسهيل وتسريع الإجراءات الجنائية المستقلة والنزيهة، بما يتوافق مع معايير القانون الدولي في محاكم وطنية وإقليمية ودولية، أو المحاكم التي لديها اختصاص حالي أو مستقبلي للنظر في تلك الجرائم.

من يجرؤ على محاكمة بوتين؟

“هل يتوقع أي مواطن عربي مثلاً، أن يرى بوتين والأسد وخامنئي أمام محكمة العدل؟”، هكذا يتساءل الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ القانون الدولي، مشيرا ً إلى أن قرار الأمم المتحدة “قرار غير عملي ومجرد جبر خواطر لا قيمة له”.

ويرى الأشعل في تصريحاته لـ”هافينغتون بوست عربي”، أن القرار أيضاً “تحصيل حاصل”، ومجرد توصية فقط من الجمعية العامة في ظل الخوف من الفيتو الروسي في مجلس الأمن، ويأتي “في سياق مختلف للصراع الذي تم حسمه عسكرياً وغيَّر من معادلات القوى”.

بل ويعتبره: “ليس سوى كلام إنشائي صالح للاستهلاك في جلسات الدردشة، لا القانون والعقاب الفعلي على جرائم شنيعة ارتكبها الروس والإيرانيون ونظام بشار والميليشيات الشيعية في حلب وكل أنحاء سوريا”.

ويضيف: “على أرض الواقع روسيا عضو أساسي في مجلس الأمن الدولي، ومطرقة الفيتو جاهزة بيدها، فكيف تتم محاكمتها هي أو نظام بشار الأسد الذي تدعمه، وهي انسحبت أصلاً من المحكمة الجنائية الدولية؟”.

الإدانات حبيسة الأدراج

“ما معنى أن يتم تشكيل آلية لجمع ملفات ومعلومات عن جرائم الحرب، ونحن لدينا لجنة التحقيق الدولية المستقلة التي تشكلت في العام 2011، ولديها الكثير من الأدلة، لم يتم تحويلها إلى محكمة دولية لمحاكمة المجرمين؟”، هكذا يلخص الدكتور “السيد أبو الخير” أستاذ القانون الدولي بجامعة الزقازيق مشكلة القرار الأخير.

ويوضح لـ”هافينغتون بوست عربي”، أن “تشكيل لجنة عن طريق الأمم المتحدة لا جدوى منه، لأن المفروض طبقاً للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المادة (13/ب)، أن المختص بالتعامل مع تلك المحكمة هو مجلس الأمن، كما حدث في محكمتي يوغسلافيا السابقة ورواندا لعامي 1993 – 1994م، ومحاكمة الرئيس السوداني البشير، أما اللجوء للجمعية العامة فهو هروب من الفيتو الروسي المنتظر”.

وحول جدوى قرار الجمعية العمومية الأخير، يقول الدكتور أبو الخير، إن القرار “روتيني وغير مفيد، لأن هناك بالفعل لجنة لحقوق الإنسان شكَّلها مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وهي لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، أنشئت في الـ22 أغسطس/آب 2011، بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان، وقد قدمت عدة تقارير بالفعل لانتهاكات وجرائم ثبت فيها مسؤولية النظام عن ارتكاب جرائم دولية، ولكنها حبيسة الأدراج”.

ولكن ما الحل؟ وما التصرف السليم الذي يضمن محاكمة مجرمي الحرب في سوريا في هذه الحالة؟

هنا يؤكد أستاذ القانون الدولي، أن الحل يتلخص في إحالة الجمعية العامة الأمر لمحكمة الجزاء الدولية، طبقاً للمادة الأولى من قرار “الاتحاد من أجل السلم”، التي نصت على أن تنتقل اختصاصات مجلس الأمن بشأن حفظ السلام والأمن الدوليين للجمعية العامة حال فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار في نزاع يهدد السلم والأمن الدوليين بسبب الفيتو.

وحول تأثير القرار على الوضع القائم في سوريا، يرى السفير نبيل بدر، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن “ذلك يقرره الوضع على الأرض السورية نفسها، وما نراه وما سوف نتابعه”، مشيراً لاستخدام أوراق ضاغطة على الأطراف الرئيسية في الصراع.

ماذا يقول نصُّ قرار الأمم المتحدة؟

تضمَّن نص القرار الذي قدمته 39 دولة، بينها 7 دول عربية، إضافة إلى تركيا، وعارضته 15 دولة منها الجزائر، وامتنعت عن دعمه 52 منها مصر، ووافقت عليه 105 دول، 8 بنود، أبرزها البندان الرابع والخامس.

ينص البند الرابع على “إنشاء الآلية الدوليـة المحايدة المستـقلة”، للمساعدة في التحقيق والملاحقة القضائية للمسؤولين عن الجرائم الأكثر خطورة، وفـق تصنيف القانون الدولي، المرتكبة في سوريا منذ مارس/آذار 2011، برعاية الأمم المتحدة كي تتعاون علـى نحـو وثيق مـع لجنـة التحقيـق الدوليـة المسـتقلة المعنيـة بسوريا”.

وحدد دورها بـ”تجميـع وحفظ وتحليل الأدلة على انتهاكات القـانون الـدولي الإنسـاني، وانتـهاكات وتجـاوزات حقـوق الإنسان، وإعداد ملفات لتيسير وتسريع السير في إجراءات جنائية نزيهـة ومسـتقلة، وفقـاً لمعـايير القــانون الــدولي في المحــاكم الوطنيــة أو الإقليمية أو الدوليــة، التــي قــد ينعقد لهــا مستقبلاً الاختصاص لهذه الجرائم وفقاً للقانون الدولي”.

بينما يتطلب البند الخامس من الأمـين العـام أن يضع في غضـون 20 يـوم عمـل مـن تـاريخ اتخـاذ هـذا القـرار “اختصاصـات الآليـة الدوليـة المحايـدة المسـتقلة”، مسـتعيناً في ذلـك بمفوضية الأمم المتحدة لحقـوق الإنسـان”.

كما طلب من الأمـين العـام أن “يتخـذ دون إبطـاء ما يلزم مـن خطـوات وتـدابير وترتيبـات للإسـراع بإنشـاء وإتمـام تشـغيل الآليـة الدوليـة المحايـدة المسـتقلة، بتمويـل يـأتي أولَ الأمـر مـن التبرعـات، بالتنسـيق مـع لجنـة التحقيـق الدوليـة المستقلة المعنية بسوريا وبالاستفادة مـن القـدرات الموجـودة، بمـا يشمل استقدام أو ندب مـــوظفين محايدين ذوي خبرة لديهم المهـــارات والدرايـــة الفنيـــة المناســـبة وفقـــاً لاختصاصات الآلية”.

وسبق أن أنشئت مجموعة “أصدقاء المساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المرتكبة في سوريا”، التي ضمت دولاً رائدة في المجال الحقوقي والإنساني على مستوى الأمم المتحدة، وترأسها بالشراكة كل من قطر وليختنشتاين.

ولدى دول المجموعة مندوبون دائمون يمثلونها بالاجتماعات، وكان من بينها لقاء جمعهم يوم 14 ديسمبر الجاري بوزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الذي أكد على مبدأ العدالة والمساءلة عن الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب التي ترتكب بشكل يومي في سوريا، ولكن المشكلة أن هذه اللجان جمعت أدلة وبقيت المحكمة التي تحقق وتدين.

ومع أنه من المفترض أن تحول الجمعية العامة الملف لمحكمة العدل، طبقاً لوثائق الأمم المتحدة (المادة الأولى من قرار “الاتحاد من أجل السلم”)، فهي لم تفعل، واكتفى القرار بطلب جمع مزيد من الأدلة.

إزالة الجدار العازل

السبب وراء عدم التحمس لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، بشأن تشكيل لجنة لجرائم حرب سوريا، يرجع أيضاً لسوابق مختلفة للأمم المتحدة تتعلق بجرائم حرب في غزة والعراق والشيشان، وغيرها، وهنا يشير خبراء القانون الذين سألتهم “هافينغتون بوست عربي” لثلاث سوابق تاريخية، تشير إلى أن القرار المتعلق بسوريا سيتحول إلى “حبر على ورق”، وهي:

(الأولى): في عام 2002 بدأت إسرائيل في بناء “الجدار العازل” لفصل مدن الضفة الغربية عن المستوطنات الإسرائيلية، وقطعت شمل عائلات فلسطينية على شطري الجدار، وفي 9 يوليو/تموز 2004 عام تبنَّت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً يقضي بعدم شرعية الجدار.

وفي 20 يوليو 2004 صوتت 150 دولة عضواً في الجمعية العامة للأمم المتحدة، (منها جميع دول الاتحاد الأوروبي الخمسة والعشرين حينها) لصالح القرار الذي تم، بينما عارضته 6 دول تتقدمها الولايات المتحدة وأستراليا وإسرائيل، وامتنعت عن التصويت 10 دول.

ولأن قرار الجمعية العامة، مثل قرار محكمة العدل الدولية، غير ملزم لإسرائيل، ظل مجرد قرار رمزي ومعنوي لم يمنع وقف بناء الجدار أو تفكيكه، أو تعويض الجانب الفلسطيني، كما جاء في القرار.

واليوم مرت 12 سنة على صدور قرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتحدة، الخاص بعدم قانونية جدار الفصل الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية، وطلبها إزالته، دون أن يُزال الجدار رغم تأثيره على حياة أكثر من مئتي ألف فلسطيني يسكنون 67 قرية ومدينة بالضفة الغربية المحتلة.

وحرم الجدار الفلسطينيين من استغلال أكثر من ثلث مساحة الضفة الغربية، إذ عمل على تمكين إسرائيل من السيطرة على 46% من الضفة الغربية.

(الثانية): قتلت القوات الروسية في الشيشان في الفترة بين عام 1994 إلى 1996، بين 80 إلى 100 ألف، بحسب تقديرات غربية، ثم قتلت قرابة 40 ألفاً آخرين في الفترة بين 1999 و2002، معظمهم في قذف قنابل وهجمات مدفعية بلا تمييز، بخلاف اختفاء وإعدام بلا محاكمة لـ2000 منهم، ومع هذا لم تُحاكم على جرائم الحرب هناك.

وبرر البعض عدم تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في هذه الجرائم، بدعوى أنها لم تنشأ سوى عام 2002، مع أنه يجوز لها محاكمة مجرمي الحرب عن جرائم سابقة لإنشائها.

ولكن الغريب أن المحكمة نفسها أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول من العام 2015 فتح تحقيق في جرائم حرب محتملة ارتكبت في حرب عام 2008 بين روسيا وجورجيا، وزعمت المدعية العامة فاتو بنسودا أن هناك “أساساً معقولاً للاعتقاد” بأن جرائم ارتكبت خلال الحرب القصيرة التي نشبت بسبب إقليم أوسيتا الجنوبية في جورجيا، أي ضد روسيا، ومع هذا انتهى الأمر للا شيء.

(الثالثة): ارتكبت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل عدداً من جرائم الحرب، بحسب تقارير حقوقية دولية، خلال غزو العراق، والحرب الإسرائيلية المتكررة على غزة، ومع هذا لم تحقق المحكمة الدولية في هذه الجرائم.

ففي الحالة الأميركية، رفضت المحكمة الجنائية الدولية طلبات قدمت لها من منظمات حقوقية ودول لمحاكمة أميركا بتهمة ارتكاب جرائم حرب في أفغانستان والعراق.

ورفض المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية لويس أوكامبو، عام 2006 التحقيق في جرائم حرب في العراق، بدعوى أن أميركا ليست عضواً في المحكمة، برغم تقدم عدد من منظمات حقوق الإنسان العربية والدولية بالعديد من الشكاوى إلى مكتب يطالبون بالتحقيق في جرائم ارتكبها جنود ومرتزقة من شركات الأمن ضد مدنيين عراقيين.

ورد أوكامبو في وثيقة رسمية معتذراً عن التحقيق في هذه الجرائم بدعوى أنه مكبل بنظام المحكمة الجنائية.

وفي الحالة الإسرائيلية لم يتم أي تحقيق في جرائم الحرب، رغم أن القصف طال مدارس الأمم المتحدة في غزة، وفي الحالة الوحيدة التي حققت فيها الأمم المتحدة أدانت إسرائيل وحماس أيضاً.

ورفضت المحكمة الجنائية الدولية طلبات لمحاكمة إسرائيل على جرائم حرب خلال الهجوم على غزة عام 2008 أيضاً، مثل استخدام أسلحة محرمة كالفسفور واليورانيوم المشع وقنابل الأعماق.

واضطر محققون تابعون للأمم المتحدة يونيو 2015، لتوزيع الاتهامات بارتكاب جرائم حرب خلال الحرب الأخيرة في غزة على إسرائيل وحركة حماس، مؤكدين أنه “من المحتمل أن إسرائيل وفصائل فلسطينية مسلحة ارتكبوا انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي في حرب غزة عام 2014، قد ترقى إلى أن تكون جرائم حرب”.

رابط مختصر
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة (إجبد) الالكترونية وهي تلتزم بمضمون كاتبها حصرياً.